الشيخ السبحاني
633
بحوث في الملل والنحل
ومن جانب آخر ، إنّ المعتزلة كانوا منتمين لأهل السنّة ، وفي الوقت نفسه كانوا يعطون للعقل قسطاً أوفر ويقدِّمونه على النصوص الواردة في الصِّحاح والمسانيد عن الصحابة والتابعين . مثلًا إنّ النصوص النبويّة الّتي يرويها المحدِّثون من أهل السنّة تركِّز على التجسيم والرؤية والتشبيه والجبر وسلب الاختيار عن الإنسان ، فمعنى كون الفرقة فرقة سنّية ، تكريم هذه الأُصول والأحاديث وعدم الخروج عن خطوطها ، ولكنّهم مع الانتماء واجهوا هذه النصوص بشدّة وقسوة ، فأخذوا يردّونها ويضربونها عرض الجدار ، وهذان لا يجتمعان . فكون الإنسان مقتفياً لمذهب أهل السنّة لا ينفكّ عن اقتفاء هذه الآثار وعدم التخطّي عنها ، والثورة على هذه النصوص ، إمحاء لمذهب السنّة وهدم لأُسسه ، فكيف يجتمعان . فلازم ذلك أنّهم صاروا يتبنّون مبدأين متناقضين يضربون بواحد منهما المبدأ الآخر . فالحقّ أنّ التسنّن بالمعنى الصحيح هو ما كان عليه أحمد بن حنبل ونظراؤه من الجمود على الظواهر ، والأخذ في الصفات الخبريّة بالمعنى الحرفي ، ورفض العقل والبرهان في مجالي العقائد والأحكام ، وترك التفكير والتعقّل في المعارف ، وهذا هو الخطّ السنّي الحقيقيّ الّذي عليه وهّابية اليوم في نجد والحجاز ، فمن أراد الانتماء إلى هذا المذهب ، يجب أن يسلك هذا الطريق ويترك التفكّر والبرهنة في جميع المجالات ، ومن جمع بينهما فقد جمع بين الضدّين والنقيضين .